الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة "الإنسان الرابع" لتوفيق الجبالي: أسير... هش... ومتواكل...ولكن... بقلم ناجح مبارك

نشر في  13 أفريل 2026  (10:27)

بقلم ناجح مبارك 

يقف "الانسان الرابع" في نص توفيق الجبالي وآدائه أسير الخوارزميات والتقنيات، هش نفسيا وفكريا ومتواكلا.. مُهدد بالمحو... ولكن اليقظة ممكنة وعودة الروح قائمة شرط أن يقطع مع الخرافة ويطلب كما يقول احد الممثلين: "فسخ لي الخرافات من مخي". عندها يغادر الانسان الهامش ويخرج من المعلبات والقوالب الجاهزة التي عبّر عنها المخرج توفيق الجبالي سينوغرافيا وركحيا بتلك النوافذ المستطيلة حينا والمربعة احيانا وهي صناديق معلقة ومعلبة لم يخرج منها الانسان الحديث.
ضياع وتيه
لاجل الوقوف عند "تشييء الانسان الرابع وفقدانه المعنى الحقيقي للحياة وقطعه مع خاصية السؤال وناصية المعرفة  الجاهزة المولدة من الخوارزميات" جمع توفيق الجبالي عددا من الممثلين الذين خبرهم في الفضاء المخبري للتياترو من سرور الجبالي وامينة البريري الى سليمة العياري واروى الرحالي مع مهدي الكامل وهادي هلال مع فريق تقني مجتهد يتزعمه القيدوم صبري العتروس ومن لف لفه من جيل التياترو الجديد مثل محمد محرز ريدان ووليد حصير...
 
على ايقاع موسيقى أوبيرا لا ترافياتا حيث تبحث البطلة في رحلة شاقة عن السعادة المفقودة والحب المنشود مثل شخوص مسرحية "الانسان الرابع" الباحثة عن أمل منشود ومعنى  للوجود ليعود المخرج الى مناخ مسرحية "على هواك"موسيقيا ومنذ البداية ومن نص الاهداء يقدم "المسرحي المناسب"1 معاول أو مفاتيح لفهم القادم من المسرحية وهو المتأثر بالغياب، غياب من اعزهم وخبرهم واولا رفيقة دربه زينب فرحات التي كانت "تحول الفكرة المرتجفة في رأسه الى مشروع يولد على الخشبة"2 وبيان الاهداء يحيل على متن المسرحية ويساعد المتفرج غير الكسول على الفهم في نص دون شخصيات ولا خرافة...
بيان التصدير والاهداء"
يقول الجبالي" نحن نسير على خطى الضحايا وتحتفي الشاشات بالجلادين والحرية تروى كأنها حدوثة للاطفال... في هذا الواقع المتأزم، يقف المسرح وكأنه طريق للنجاة. هنا نعود الى ما حبّره الجبالي في كتابه "لست المسرحي المناسب" باعتبار المسرح ملجأ المنشقين والمستضعفين والجبناء الملعونين والذين يبحثون عن طريقة يلهون بها عن الاهوال، "وبهذا الاهداء/الاستهلال لا يستدعي صاحب "التابعة" الذاكرة الحية بل يعتمد على الخشبة كملاذ للاستقواء على مصاعب اليومي والمعيش بكل آلامه وتناقضاته.
 تصل المتفرج اصوات خلفية وشظايا كلمات وجمل متقطعة عن "وقفني بوليس استدعاء لمحكمة وبطاقة ناخب و"انتحال صفة" ليدفعنا المخرج في "نصه المتشظي" الى عمق اليومي والمعيش... الذي يرغب المخرج والممثلين في تجاوز سطوته بالفن الرابع الحي، والذهب يحيل على التفكير في ما وراءه متجاوزين بذلك "السرك الاخير للبشر" بما يجعل الجميع يفكر في "انهيار الكبرياء"و"تشتت المعنى"..
فانوس يضيء العتمة"
هذا التشتت في نص تكون فيه اللغة امتداد للجسد بل "جسد يتنفس" وتكون فتيات حقائب اليد الاربعة في سعيهن لسبر اغوار اليومي في" احتفال سمعي بصري ينفتح على المجهول "وداخل الحقائب هواتف جوالة هتكت الاسرار واحالت رغبة الاشرار في افتكاكها عنوة بحثا عن مال إن وجد بعد أن تسمع الفتاة فاحش الكلام من قاطع الطريق ليلا ام نهارا لا يهم التوقيت.. حقائب الفتيات الاربعة حمالة اوجه وتستعمل للضرب والدفاع عن النفس في شارع متوحش أو في البيت مع زوج متواكل كسول..."متخلي عن سيادته"... ولم ينفع الفانوس المضيء المرفوع من "الممثل الشيخ" في توضيح الرؤية واخراجه من العتمة. 
واقع الممثلات الاربعة في حركاتهن المتوازية والمتواترة مرير ويبعث على القسوة والتشئء ذلك إن حالات العشق والجنس لا تخرج عندهم عن الخوارزميات والعلاقات العابرة عبور رسائل التيك توك المتحولة على شاشات الهواتف الجوالة دون احساس حقيقي ومتعة فاتنة، كل الامور استهلاكية سريعة على قارعة طريق و"الفايدة في الركشة في الشتاء والتبحبيحة في الصيف"...
يُحكم الفنان توفيق الجبالي ومنذ "الفلسطينيين" احكام التقنية عامة وتقنية الفيديو المرسل من شاشة خلفية لترسل على الركح وليستنطق الانسان الالي "الانسان الرابع".
وفي لحظة مفصلية من المسرحية يكشف الانسان الرابع عن هويته ومواقفه ورؤاه في الحوار الاتي: 
الممثل: الساعة انت  تأمن بربي؟
الإنسان الرابع: الأول صارع الطبيعة، والثاني اخترع العقل،
والثالث استعبدته الماكينة… وأنا الإنسان الرابع:
لا وطن، لا دين، لا سلالة.
الممثل: إمالة شكون خلقك؟
الإنسان 4: هوما 
الممثل: شكونهم 
الإنسان 4: اللي كيفكم خايفين من الموت 
الممثل: وإنت؟
الإنسان 4: أنا السيستام، خوارزمية طرشة لا تجوع ولا تحنّ.. أنا الكود اللي ما يموتش."
الممثل : إمالة… تحبّ تعوّضني؟
 الإنسان 4: أنا ما نعوّض حدّ.
الممثل: إمالة شتعمل؟
;لإنسان 4: نكملكم.
الممثل: تكملنا… ولا تمحينا؟
الإنسان 4: كيما الكود القديم…يتمحى  وحدو.
الإنسان الرابع امام مصيره"
هكذا يضع توفيق الجبالي الانسان أمام "غول الآلة" آلة الخوارزميات التي لا دين لها والتي تجاوزت استعباد الآلة الاولى التي ظهرت مع الثورة الصناعية والتي مكنت المجتمع من الحد الادنى من الرفاه ولكن الانسان الرابع فاقد الإحساس لا يخاف من الموت، قادر على المحو والعدم، محو الانسان واعدامه بمجرد شفرة في مكان ما من العالم... في واقع استفرغ من مضامينه ودلالاته...
يختبر توفيق الجبالي وصحبه من الممثلين والتقنيين نهاية الانسان الحالي ويختبر آليات الصمود والبقاء لدى البشر في واقع حضاري قد ينكسر. ويندثر. و"الحضارة متاعك بلها واشرب ماها''، التقنية جعلت الانسان تابع، اسير وقلق.
تمكن صاحب "ثلاثين وأنا حاير فيك" من أن ينقل هذا القلق الى المتفرج خاصة مع سلسلة العروض الاخيرة حيث اشتد عود المسرحية بدربة الممثلين والتكرار والاستغلال المحكم للأقنعة في عالم فقد فيه الانسان لغة التواصل واعتمد على التواكل عبر الوسائط التقنية وبها يمكن استحضار الغائب ولا يمكن للسلطان وأي سلطة مهما خطبت عبر المصدح من الإقناع في عالم علّب فيه الذكاء الاصطناعي الرغبات والتوجهات والخيارات...
طبقات الفهم"
الإنسان الرابع يعلن عن هويته ويدعو الذات الحيّة وهذا الكائن المتشظي التائه إلى إعادة التفكير في الكون والحياة بادواته ومعارفه لا بادوات ومعارف الذكاء الاصطناعي ان رام "النجاة بجلده" وعقله وكأن الجبالي الذي يروم فتح الآفاق أمام المتلقي "ليضيف طبقته الخاصة من المعنى"3 محفزا المتفرج على التفكير وملىء الفراغات التي يتركها النص المتشظي بجمله المتقطعة... وليساهم بدوره كمتفرج متحفز في الاخراج المفتوح للمسرحية باعتباره التنظيم الجمالي للعناصر...
كسر الانتظارات"
ولعل هذا الامر قد ركزه الفنان توفيق الجبالي طيلة عقود من الفعل والحفر في مكان واحد بحثا عن ماء المعنى السائل، وامكن لجمهور التياترو ان يعي ذلك ويتعايش مع انفلات مسرح التياترو وكسر انتظاراته... والعزف على إيقاع صدماته... في "الزاوية المظلمة" دون الخوف مما يتركه الفراغ.
×× عروض "الانسان الرابع" متواصلة آخر ايام الأسبوع في فضاء التياترو والارقام الواردة بالمقال تحيل على كتاب توفيق الجبالي "لست المسرحي المناسب".